القرطبي

256

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل ، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين . وهذا قول حسن ، فإن أصل الاعجاب لهم وفيهم ، ومنهم يظهر ذلك ، وهو التعظيم للدنيا وما فيها . وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم ، وتتقلل عندهم وتدق إذا ذكروا الآخرة . وموضع الكاف رفع على الصفة . ( ثم يهيج ) أي يجف بعد خضرته ( فتراه مصفرا ) أي متغيرا عما كان عليه من النضرة . ( ثم يكون حطاما ) أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه ، كذلك دنيا الكافر . ( وفى الآخرة عذاب شديد ) أي للكافرين . والوقف عليه حسن ، ويبتدئ ( ومغفرة من الله ورضوان ) أي للمؤمنين . وقال الفراء : ( وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة ) تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة ، فلا يوقف على ( شديد ) . ( وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور ) هذا تأكيد ما سبق ، أي تغر الكفار ، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة . وقيل : العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا ، وترغيبا في العمل للآخرة . قوله تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) أي سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم . وقيل : سارعوا بالتوبة ، لأنها تؤدي إلى المغفرة ، قاله الكلبي . وقيل التكبيرة الأولى مع الامام ، قال مكحول . وقيل : الصف الأول . ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) لو وصل بعضها ببعض . قال الحسن : يعني جميع السماوات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها . وقيل : يريد لرجل واحد أي لكل واحد جنة بهذه السعة . وقال ابن كيسان : عني به جنة واحدة من الجنات . والعرض أقل من الطول ، ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة الشئ بعرضه دون طوله . قال : كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل وقد مضى هذا كله في ( آل عمران ( 1 ) ) . وقال طارق بن شهاب : قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه : أرأيت قول الله عز وجل : ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض )

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 204